ابن أبي الحديد

118

شرح نهج البلاغة

فمنهم معطلة ، ومنهم غير معطلة . فأما المعطلة منهم ، فبعضهم أنكر الخالق والبعث والإعادة ، وقالوا ما قال القرآن العزيز عنهم : ( ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ) ( 1 ) ، فجعلوا الجامع لهم الطبع ، والمهلك لهم الدهر . وبعضهم اعترف بالخالق سبحانه وأنكر البعث ، وهم الذين أخبر سبحانه عنهم بقوله : ( قال من يحيى العظام وهي رميم ) . ومنهم من أقر بالخالق ونوع من الإعادة ، وأنكروا الرسل وعبدوا الأصنام ، وزعموا أنها شفعاء عند الله في الآخرة ، وحجوا ، لها ونحروا لها الهدى ، وقربوا لها القربان ، وحللوا وحرموا ، وهم جمهور العرب ، وهم الذين قال الله تعالى عنهم : ( وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ) ( 2 ) . فممن نطق شعره بإنكار البعث بعضهم يرثي قتلى بدر ( 3 ) : فماذا بالقليب قليب بدر * من الفتيان والقوم الكرام ! ( 4 ) وماذا بالقليب قليب بدر * من الشيزى تكلل بالسنام ! ( 5 ) أيخبرنا ابن كبشة أن سنحيا * وكيف حياة أصداء وهام ! إذا ما الرأس زال بمنكبيه * فقد شبع الأنيس من الطعام أيقتلني إذا ما كنت حيا * ويحييني إذا رمت عظامي !

--> ( 1 ) سورة الجاثية 24 . ( 2 ) سورة الفرقان 7 . ( 3 ) سيرة ابن هشام 2 : 113 مع اختلاف في الرواية وترتيب الأبيات وعددها ، ونسبها إلى شداد ابن الأسود . ( 4 ) ابن هشام : * من القينات والشرب الكرام * والقليب : البئر . ( 5 ) البيت في اللسان 7 : 230 ، ورواه : " يزين بالسنام " ، وقال في شرحه : الشيزى : شجر يتخذ منه الجفان ، وأراد بالجفان أربابها الذين كانوا يطمعون فيها وقتلوا ببدر وألقوا في القليب ، فهو يرثيهم ، وسمى الجفان شيزى بأسم أصلها " .